من النسخة الورقيه | العدد : 7882 | جميع الأعداد
رأي اختفاء «الجولانى».. أسئلة بلا إجاباتباختفاء أبى محمد الجولانى، ذى الاسم الحركى «أحمد الشرع»، على مدار الأيام الماضية، ثارت الأقاويل حول تعرضه لمحاولة اغتيال، دفعته دفعا لتلقى علاج عاجل فى أحد المشافى التركية، وسط وضع صحى حرج.
فكان أن أصدرت وزارة الداخلية السورية بيانا، على قدر من انعدام الفطنة السياسية بمكان، بحيث يؤكد أن ثمة شيئا ما خطرا يجرى فى الكواليس. وقد ترك البيان الأسئلة المتعلقة بمصير الرجل، غائمة بلا إجابات حاسمة شافية. ودون اتخاذ إجراءات تكفل ظهوره لنفى الشائعة كما هو مفترض فى مثل هذه الحالات.
وأيا كانت حقيقة ما يجرى، سواء بتعرضه لمحاولة اغتيال أو لا، فإن مجرد غيابه ومجرد طرح احتمالية تعرضه للاغتيال يدفع الأمور دفعا لتأمل مفارقات ومحطات «الجولانى» الذى تحول من اسمه ذى الموسيقى «القاعدية» وملابسه الميليشية ولحيته الشعثاء، إلى فخامة الرئيس ذى البدلة والكرافتة واللحية المهذبة «أحمد الشرع».
فقد كشف السفير الأمريكى روبرت فورد فى مايو الماضى أن مؤسسة بريطانية غير حكومية «متخصصة فى حل الصراعات» دعته عام ٢٠٢٣ للمساعدة فى إعادة تأهيل «الجولانى» من عالم الإرهاب إلى عالم السياسة على حد تعبيره.
وهو ما يعنى أنه قام بمهمته قبل وصول الجولانى للحكم فى ديسمبر من العام ٢٠٢٤، وهو ما يطرح الأسئلة حول علاقة الجهادى القاعدى بالولايات المتحدة الأمريكية والمنظمات البريطانية التى تمرح وترتع لحد التواصل مع زعيم القاعدة فى سوريا لإعطائه دروسا فى السياسة والعلاقات العامة والإيتكيت، ضمن جهودها فى «حل الصراعات»!
ورغم أن الجولانى لم ينف هذه التصريحات أو يستدرك عليها، فإن أنصاره ظلوا على ولائهم له وتهليلهم لخطواته ولتجربته. ولا أقصد بالأنصار هنا هذه الثلة من المقاتلين القاعديين الملتفين حوله من بلاد الأوزبك والشيشان وأصقاع آسيا، بل فى الجماهير ذات المزاج الإسلاموى بامتداد بلدان العرب وباختلاف الانتماءات التنظيمية.
ثم فى نوفمبر الماضى وقف الجولانى فى الولايات المتحدة فى فاعلية اشتملت على لقائه بما قيل إنه مع الجالية السورية فى واشنطن، ليتلقى تباريك وصلوات ودعوات حاخام يهودى سورى، أمسك بيده وألقى كلمات بالعبرية ودعا له.
ولك أن تتخيل عزيزى القارئ رئيسًا عربيًا واحدًا يمكن أن يباركه الحاخامات اليهود علنا، ووسط إبادة إسرائيلية كاسحة منذ أكثر من عامين تتشح ستارًا يهوديًا متشددًا، دون أن تثور عليه ثائرة الجماهير ودون أن يلعنه اللاعنون هو وأهله وأسلافه فى قبورهم.
ثم عليك أن تتساءل لماذا تصمت الجماهير الإسلاموية التى تتصيد للرؤساء والملوك العرب أى مظهر مخالف للشريعة، أو لفهمهم هم للشريعة، لتجلدهم بسياطها؟
نحن نتحدث عن تنظيمات تعتقد أن ذكر الله بلفظ غير عربى، بدعة وكفر، فما بالك وهى تصمت أمام رجل يدعى له بالعبرانية على لسان حاخام ويقف مبتسمًا؟
أترك لخيالك طرح اسم أى حاكم عربى، تحبه أو لا تحبه، تعرف سياساته أو لا تدرك شيئا عن خفايا دولته، ماذا سيحدث معه لو فعل هذا أو قيل عنه ذاك؟
ثم لك أن تتخيل أن يقف «رئيس» عربى، بين يدى دونالد ترامب ليعطره بنفسه أمام الكاميرات. لتتساءل بينك وبين نفسك هل هو التدليل؟ أم هى الإهانة باعتباره غير طيب الرائحة؟ أم هو التدليل المهين؟
ثم عليك أن تتساءل عن المسالخ المنصوبة بحق رؤساء عرب أحياء وأموات، بخصوص قتلهم أوسجنهم لخصومهم، لماذا لم تغفرها الجماهير العريضة، بينما تغفر للجولانى ماضيه الإرهابى فى سوريا والعراق، والذى يعيد صياغته بوقاحة أمام «ديفيد بترايوس» رئيس المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق وهو يقول له ضمن لقاء علنى ضم كليهما «كنا فى وقت من الأوقات فى ميدان حرب وانتقلنا لميدان الحوار» ثم يذيل الجولانى كلامه بأنه يجلس مع بيتريوس «الآن كأصدقاء». كما لو كان أحدهما فى الماضى يشجع برشلونة بينما الآخر يشجع ريال مدريد.
ثم هو يدير مفاوضات مباشرة وكثيفة مع إسرائيل التى تنتهك السيادة السورية على نحو فادح ومهين، وبعدما دمرت الجيش السورى تمامًا بعد ساعات من سيطرته على قصر الحكم، واستولت على الجولان التى تكنى باسمها!
ولك أن تتخيل حاكما عربيًا واحدًا قارب واحدًا من فعال الجولانى السابقة هل كان ليسلم من ألسنة تيارات الإسلام السياسى خصوصا والجماهير العريضة عمومًا؟ ما يدعو للتساؤل حول دوافع التفهم واللطف والتأييد الذى يحظى به من كل إسلاميى الإقليم تقريبًا، أو حول دوافع الإسلاميين عمومًا وما يرتضون به من القسمة وما يطمحون إليه، والأثمان التى قد يرتضونها لقاء ذلك.
ولست هنا أدافع عن الحكام العرب، فشعوبهم أدرى بهم، والتاريخ أولى بحسابهم، لكنى أستعرض التناقض بين الغفران والتفهم التام فى حالة الجولانى والجلد المستمر فى حالة كل من سواه، سواء كان لديه منطق فيما فعل أم لم يكن، سواء أظهرت الأيام بعد نظره أو قصره، وطنيته أو خيانته.
ولعل باحثى الإسلام السياسى يتوسعون يومًا ما فى إيضاح الملابسة التى حشدت وجدان وتأييد وكوادر الإخوان المسلمين فى صف واحد مع جهاديى القاعدة وحملة السلاح من باقى أطياف الإسلام السياسى، مصطفين خلف الجولانى ونموذجه.
فهو فى نهاية المطاف، لديه كفيل تركى ومدرب أمريكى وضمين بريطانى وتباريك يهودية، ورغم ذلك يهللون له!
فعلام إذن خالفتم حكامكم؟
- مقال رأي