Tuesday, 27 January 2026
أخبار عاجلة

اعتقال مادورو

اعتقال مادورو
Logo Print email-icon facebook-icon X-icon whatsapp-icon Copy

من النسخة الورقيه | العدد : 7879 | جميع الأعداد

رأي اعتقال مادورو

منذ عدة أيام، أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال رئيس فنزويلا، مادورو، وشنّت فى الوقت نفسه ضربات عنيفة على البلاد. والحقيقة أن هذه السابقة تمثل تطورًا بالغ الخطورة، لأنها تمسّ فى جوهرها القواعد الأساسية التى قام عليها النظام الدولى بعد الحرب العالمية الثانية.

فبعد تلك الحرب المدمّرة، توافق المجتمع الدولى على مجموعة من المبادئ، وفى مقدمتها مبدأ سيادة الدولة، وعدم جواز تدخل دولة فى الشؤون الداخلية لدولة أخرى، خصوصًا التدخل العسكرى. صحيح أن هذه القواعد لم تكن يومًا مثالية، وأنها خُرقت مرارًا، فهى فى الأساس خاضعة لموازين القوى وتعكسها، إلا أن هناك حدًا أدنى من الالتزام بها ظل قائمًا.

ومن هذا المنطلق، فإن اعتقال رئيس دولة بالقوة يعد تقويضًا مباشرًا للإطار القانونى والسياسى الذى ينظم العلاقات الدولية. الخطورة الحقيقية فى هذا المسار أنه يفتح الباب أمام تكرار الفعل ذاته. فإذا أصبح من الجائز اليوم أن تعتقل دولة أقوى رئيس دولة أخرى، فما الذى يمنع تكرار ذلك غدًا مع دول مختلفة؟.

هذا التحول لا يأتى من فراغ، بل يمثل استكمالًا مباشرًا لسياسات بدأها دونالد ترامب خلال فترة رئاسته. فترامب لم يكتفِ بهزّ القواعد السياسية للنظام الدولى، بل سبق ذلك بتفكيك القواعد الاقتصادية التى قام عليها النظام العالمى للتجارة الحرة، وهو نظام تأسس هو الآخر بعد الحرب العالمية الثانية. فرض التعريفات الجمركية وسياسات الحماية الاقتصادية لم يكن سوى إعلان صريح عن نهاية منطق «القواعد المشتركة».

الحقيقة أن ترامب لا يتحرك بعشوائية، بل يسعى بشكل منهجى إلى إعادة تشكيل النظام الدولى على أساس الغلبة للأقوى، لا سيادة القانون. وهنا يكمن الفارق الأساسى بين الانتهاكات السابقة وما نشهده اليوم. إنه مسار مخيف، لأنه يعيد العالم إلى منطق البقاء للأقوى، بدلًا من التعايش المنظم، حتى وإن كان هذا التعايش، فى الأصل، قائمًا على أسس غير عادلة.

يبقى السؤال المطروح: هل يُعاد بالفعل تشكيل النظام الدولى؟ الإجابة لا تتوقف فقط على ردود فعل الدول الأخرى وقدرتها على رفض هذا المسار، بل أيضًا على قدرة المجتمع الأمريكى نفسه على مواجهته. حتى الآن يبدو أن ميزان القوى، داخليًا وخارجيًا، يميل لصالح ترامب، فى ظل مساعى دولية متزايدة لشرعنة هذه الأفعال بدل رفضها، أو حتى الاكتفاء بالصمت إزاءها. لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: إذا كان هذا هو الوضع على المدى القصير، فهل يمكن أن يستمر على المدى الطويل؟.

tag-icon
  • مقال رأي
09 / 01 / 2026
03:06 AM
مشاركة: