Tuesday, 27 January 2026
أخبار عاجلة

السيد والعبد

السيد والعبد
Logo Print email-icon facebook-icon X-icon whatsapp-icon Copy

من النسخة الورقيه | العدد : 7878 | جميع الأعداد

رأي السيد والعبد

عندما نُصِّب جورج واشنطن رئيسًا للولايات المتحدة عام ١٧٩٨ قال فى خطاب تنصيبه: «لا يمكن لأى شعب على الأرض أن يلتزم بالتسليم وتقديس تلك اليد الخفية العليا التى تسير أمور الناس أكثر من شعب الولايات المتحدة، فكل خطوة مشاها قدمًا نحو قيام أمة مستقلة كانت دائمًا موسومة بتفويض إلهي».

ولم تخلُ خطب غالبية رؤساء الولايات المتحدة التاليين أثناء تنصيبهم للرئاسة، أمثال جون آدامز وأندرو جاكسون ورونالد ريجان وجورج بوش الابن، من عبارات مماثلة تقول: «ثمة صوت مقدس ينادى الشعب الأمريكى من وراء النجوم ليوحى إليه بأن اختيارًا إلهيًا قد وقع عليه كيما يكون حارسًا للحرية ومكلفًا بصونها بما يتفق مع الجنس البشري». هكذا ترسخ فى يقين الحكومات الأمريكية ورؤسائها ولدى أغلبية شعبها الاعتقاد بأن الأمة الأمريكية قد وهبها الله قوة عظمى دون غيرها ليوكل إليها مهمة ربانية عبّر عنها سياسيون أمريكيون بمصطلحات شتى مثل: «الأمة المخلصة» و«الأمة المختارة» و«القدر المحتوم»، إشارة إلى هذا التكليف الربانى الذى عرفه عالم الاجتماع الأمريكى دانيال بل بقوله: «القدر المحتوم هو دين فى رقبة الولايات المتحدة والتزام دينى مدنى مفروض عليها منذ القرن التاسع حتى وقتنا الحاضر».

ولما استولت الولايات المتحدة على جزر الفلبين دافع السيناتور الأمريكى هنرى كابوت لودج عن سياسة حكومته بقوله: «لا أعتقد أن الأمة الأمريكية قد نشأت عبثًا، بل أعتقد يقينًا أنها مكلفة بواجب تجاه العالم، واجب الخير، وواجب الحرية، ويجب أن نعمل على تنفيذ قدرها المحتوم». لئن تحول هذا التصور الدينى إلى قناعة لدى الرؤساء الأمريكيين شاطرهم فيها عدد كبير من تابعيهم، فعلى الجانب الآخر يرى مفكرون وأكاديميون أمريكيون من الطراز الرفيع أمثال مارك توين ووليم جيمس ونعوم تشومسكى وألفريد ماكوى أن هذا التميز الأمريكى قد قارب على الأفول، وصدرت أدبيات فكرية تنبئ بأن القرن الأمريكى لن يدوم إلى ما بعد عام ٢٠٤٠.

ورث ترامب عن سابقيه ذات القناعة، لكنه منذ توليه رئاسته الثانية للولايات المتحدة أحدث تغيرات عميقة فى المفاهيم والأساليب الاستراتيجية التى تميزت بها السياسة الأمريكية المألوفة من الزاوية العملية، متأثرًا فى إدارته لها بعقلية التاجر الجشع الذى يرى فى منظومة القيم الأخلاقية والقوانين الدولية أصنامًا لا معنى ولا قيمة لها إلا بقدر ما يمكن أن تكون غطاء لأطماع شخصية تسعى إلى سلب ونهب ثروات الغير، مستخدمًا فى ذلك كل ما تتيحه له سلطاته وهو رئيس لأكبر قوة عظمى على الأرض. والواقع أن ما يجعل من ترامب نموذجًا شاذًا بالمقارنة مع سابقيه لا يكمن فحسب فى تلك البلطجة الفجة التى تنضح بها أحاديثه وتصريحاته وأفعاله، وإنما أيضًا فى طريقة تفكيره وتصوره لمفاهيم السياسة والعلاقات الدولية. إن الشخصية الترامبية تكاد تتطابق مع شخصية «الفتوة» الذى لا يعرف قانونًا جديرًا بالاحترام إلا قانون القوة، ولكم كان نجيب محفوظ عبقريًا مبدعًا فى تجسيده السمات السيكولوجية للفتوة البلطجى فى ملحمته «الحرافيش»! لا شك أن الهجوم العسكرى الأمريكى على فنزويلا واختطاف رئيسها وقرينته يعد عملًا إجراميًا وسابقة دولية خطيرة فى انتهاكه للقانون والأعراف الدولية والقيم الأخلاقية، ولكن ثمة حقيقة مهمة لا يجوز إغفالها، ألا وهى أن القانون الدولى وما يقترن به من معاهدات وآليات قانونية متعددة الأشكال ليس إلا نتاجًا خالصًا لمفهوم القوة، بالرغم مما يتضمنه من أوامر توجب احترام القيم الإنسانية العليا مثل المساواة والعدالة والحرية والديمقراطية... إلخ. لم يجاوز عالم الاجتماع الألمانى «كارل شميت» الحقيقة حينما شدد فى كتابه الشهير «ناموس الأرض» على مدى تمركز مفهوم القانون الدولى فى القرن التاسع عشر حول أوروبا وحدها. فالمفاهيم الكونية التى يحميها هذا القانون، والتى كانت تغذى الفكر والخطاب الدبلوماسيين مثل «الحضارة» و«الإنسانية» و«التقدّم»، لم تكن مفاهيم صالحة أو ذات مشروعية إلا إذا أُلحق بها وصف «الأوروبى»، وفى القرن العشرين ابتُلعت أوروبا من قبل أحد امتداداتها الإقليمية الخاصة: الولايات المتحدة، ودانت تدريجيًا لها بالعبودية، حتى تبلور القانون الدولى منذ عام ١٩٤٥ بوصفه محض نتاج غربى، ولكنه صار خاضعًا لهيمنة القوة العظمى الأمريكية، فهى تنفرد وحدها بتفسيره وفق ما يتفق مع مصالحها، وبتنفيذه إن لزم الأمر بأساليبها الخاصة، أى كما قال هوبز: «ليس الحق هو ما يصنع القانون، بل السلطة، فالعقود من دون السيف ليست سوى كلمات».

إن اختطاف رئيس فنزويلا لمحاكمته هو بالنسبة لترامب إجراء مشروع، ولن يمنعه أحد من اختطاف رؤساء آخرين من خصومه، وليذهب القانون الدولى والأمم المتحدة معًا إلى الجحيم.

tag-icon
  • مقال رأي
08 / 01 / 2026
12:23 AM
مشاركة: