Tuesday, 27 January 2026
أخبار عاجلة

تاجر البندقية.. ولحم الأوطان المستباح..

تاجر البندقية.. ولحم الأوطان المستباح..
Logo Print email-icon facebook-icon X-icon whatsapp-icon Copy

من النسخة الورقيه | العدد : 7877 | جميع الأعداد

رأي تاجر البندقية.. ولحم الأوطان المستباح..

تلك محاولة قراءة هادئة فى شأن إقليم لا يهدأ!..

حينما كتب «وليم شكسبير» مسرحيته الخالدة «تاجر البندقية» لم يكن متجاوزًا عندما جعل الدَينَ اقتطاعًا من لحم المَدين.. فى إشارة لا تُخطئ عن مدى الأذى المتجاوز خسارة المال وبخس النفيس، إلى الإذلال والقتل وبخس النفوس.

مقاربة شكسبير فى روايته هى مرآة حال شرقنا العربى والإسلامى منذ قرنين من الزمان وحتى حين.

لم تسقط الإمبراطورية العثمانية - على فسادها وحتمية مآل السقوط - بحصار جيوش أو احتلال حواضر.. ولكنها حوصرت بالمصارف والمُرابين.. احِتُلَ قرارُها قبل أن تُحتَلَ حواضرُها!.

لم يكن استمراء الاستدانة - باسم التحديث وتراكم القوة - هو الخطيئة الأكبر، على فداحتها.. فالأفدح كان فقر فكر مقيم.. وتراجع أهلية وانحسار كفاءة مضوا بها إلى حَتفٍ.. لم تُغنِ عنها صلابة قوة لا تملك زمام العلم، ولا شفع لها ظاهر تحديث كان من أجل نزوات مجد.

وإن يميل التحليل السياسى للشرق الأوسط إلى تفسير أزماته المزمنة على قاعدة صراعات الهوية أو إخفاقات الانتقال السياسى.. إلا أن هذا التفسير، على شيوعه ووجاهته، قد بات قاصرًا عن الإحاطة بما يجرى فِعليًا.

واقع شرقنا اليوم - وقبل اليوم - تحكمه ثلاثة عناصر متداخلة تسكنه وكأنها قدره.. هى الفقر والركاكة والاستثناء!..

أما الفقر.. فليس فقر المال والمورد، ولكن فقر الفكر وفقر الخيال.

وأما الركاكة.. ليست نقصًا فى بلاغة - وإن نقصت - ولكن فى غياب الكفاءة أو انعدامها فى جل مؤسساته ومحاربة الأهلية فيها.

وأما الاستثناء فهو فى نَقضُ دائم لدور المؤسسات المجتمعية الكبرى وسعى لهدمها ومزاحمتها بكيانات موازية بديلة ضمانا للولاء.

وكل ذلك مرتهن لواقع من الاستلاب الاقتصادى.. إما دينًا وإما تبعية.. وإما الاثنان معًا!..

فى جُل دول الإقليم، لم تعد صناعة قرار الحكم نتاج تفاعل مؤسسات الحكم التقليدية، بل صارت رهينة القدرة على الوصول إلى التمويل، والحفاظ على العملة، وإدارة الديون من جانب.. كما رهينة الحرب السرمدية المعلنة على المؤهلين لحساب أهل الثقة والحظوة.. وأخيرًا رهينة شبكات - بل قل ميليشيات اقتصادية وأمنية، بل وثقافية موازية - تزاحم المؤسسات الأصل فى الاقتصاد والسياسة والإعلام والأمن وتخنقها.

إذا هى سياقات المال، والمؤسسات، والشبكات.. أو سياقات الاقتصاد والأهلية والشرعية ومن دون إحاطة بهذا الثلاثى، يصعب تفسير الاستقرار الهش لبعض دولنا، والانهيار المزمن لأخرى.

الاقتصاد الكلى لم يعد خلفية الحرب والسياسة.. بل هو مسرح عملياتهم ومعاركهم الرئيسى.

باتت قرارات التعويم، وإعادة هيكلة الدعم، وجذب الاستثمارات الكبرى، محددات مباشرة لهوامش الحكم.. ومع المد والجزر فى تدفقات النقد الأجنبى دينًا أو استثمارًا، تتقلص الخيارات السياسية تلقائيًا.

إذًا الأسواق تُقرض، لتستلب إرادة الدول باسم فرض شروط الاستقرار قبل التنمية.

وحين يضيق هامش التمويل، ينتقل حديث الاستقرار من أروقة الاقتصاد وحديث الأرقام.. إلى ساحات الصدام والتخوين والقمع.

ومع تسارع وتيرة الانهيار الاقتصادى.. تُفرَّغ الدولة من مضمونها الوظيفى مع تآكل الثقة فى المؤسسات وتنتقل القدرة على الحماية والخدمات إلى شبكات بديلة كإقطاعيات مملوكية متضادة مع فكرة الدولة ذاتها.

هنا، لا تنهار الدولة دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا.

الإفلاس يتحول من حدث مالى إلى حالة سياسية، حيث تُعاد صياغة السلطة خارج الأطر الرسمية.. ولتصبح أى عملية إصلاح تقنى - فى مثل هكذا بيئة- بلا أثر إن لم تُسبَق بإعادة تأسيس للثقة والمؤسسات.

وإن كان التعريف الأدق للفقر هو سوء إدارة الموارد لا انعدامها.. فإن دولنا العربية ذات الموارد، القسمة فيها هى بين دول «موسرة غنية» ودول «موسرة فقيرة».

وما بين نموذج الدول الموسرة الغنية التى لم يجافيها بعض من الخيال وحسن الإدارة.. وبدت أكثر إدراكًا لقواعد الاقتصاد السياسى فأدارت ثروات بلادها فى سياق «المشيخة أو الشركة العائلية» الكبرى، وما بين نموذج الدول الموسرة الفقيرة ذات العوائد النفطية الهائلة التى أبلتها ضلالات الزعامة.. يبقى تحدى غياب العقد الاجتماعى - أصل الشرعية - هو التحدى الجامع لكل دول منطقتنا.. وإن وجد هذا العقد الاجتماعى بقى معوجا.. مائلًا.. أو كاذبًا مفرغ من كل قيمة وأثر.

إلى جانب المال والمؤسسات، يبقى العامل الثالث الفاعل فى دول الإقليم وهو الشبكات.. منصات رقمية، ميليشيات اقتصادات غير رسمية، تدفقات إعلامية عابرة للحدود.. كلها وكأنها إقطاعيات مملوكية تتجاوز الدولة الأصل تتحرك بسرعة تفوق قدرة الدولة الهرمية على الاستجابة.

فى بعض السياقات، حلّت الشبكات أو قل الإقطاعيات محل الدولة.. وفى سياقات أخرى، باتت الدولة مضطرة لإدارة واقع شبكى كثيف آملة ألا تفقد السيطرة.

المفارقة أن الشبكات قادرة على التعبئة والتأثير، لكنها ضعيفة فى الحكم والإدارة.. فهى تُزعزع بسرعة، وتخلخل بعمق ولكنها نادرًا ما تُنتج نظامًا مستقرًا. ومع اتساع الفجوة بين سرعة الشبكات وبطء المؤسسات، يغذى الاضطراب.. وكل ذلك يجرى فى بحر متلاطم من الديون المغرقة.

عند شكسبير كُتِبَت النجاة لتاجر البندقية المُستدين بخيال مستنير، قاد كفاءة قانونية استطاعت أن تُنقذ المستدين البائس من أن يستباح جسده.

وبمثلها.. لن يحفظ أجساد أوطاننا من أن تستباح.. إلا أن يتقدم مؤهلونا مسير إنقاذ الأوطان بكفاءة وقدرة وطلاقة خيال.. وإلا أن يتوارى مماليك الإقطاعيات بركاكتهم وأثرتهم وفقر خيالهم.. اختيارًا كان ذلك أو قسرًا..!

فَكِّرُوا تَصِحُّوا..

tag-icon
  • مقال رأي
07 / 01 / 2026
02:06 AM
مشاركة: