Tuesday, 27 January 2026
أخبار عاجلة

حصاد مصر المعرفي في عام 2025 (2)

حصاد مصر المعرفي في عام 2025 (2)
Logo Print email-icon facebook-icon X-icon whatsapp-icon Copy

من النسخة الورقيه | العدد : 7878 | جميع الأعداد

رأي حصاد مصر المعرفي في عام 2025 (2)

أشرت فى مقالى السابق إلى أن مصر حققت فى عام (٢٠٢٥) عددًا من الإنجازات فى مجال الابتكار والتحول المعرفى وفق المؤشرات الدولية يتعين البناء عليها رغم تواضع الأداء على المستوى العالمى. كما شهد الأداء المعرفى المصرى أوجه قصور من المُمكن تلافيها بتبنى السياسات الملائمة. وهو ما أحسب أنه من الضرورة أن يمثل أحد أهداف المسؤولين التنمويين وراسمى سياسات العلوم والتكنولوجيا فى مصر. بيد أنه من المُلاحظ فى نتائج مؤشرات الابتكار لعام (٢٠٢٥) أن مصر قد حققت تحسنًا فى أداء الابتكار على مستوى مدخلاته وبيئاته التمكينية بشكل يزيد بوضوح عما أنجزته على مستوى مخرجات الابتكار، وهو أمر يتعين وضعه فى الاعتبار عند صياغة رؤيتها للتطوير وتحسين الأداء.

فعلى مستوى مدخلات الابتكار، أظهرت البيانات تحسن أداء مصر فى مجال التعليم العالى لتحقق الترتيب (٤٧) عالميًا فى موشر متوسط أداء أفضل ثلاث جامعات مصرية فى تصنيف (QS) البريطانى للجامعات، كما حققت مصر الترتيب (٣٣) على المستوى العالمى فيما يخص نسبة الناتج المحلى الإجمالى إلى العرض الكلى للطاقة كمؤشر يعكس بشكل ما إنتاجية قطاع الطاقة كسلعة استراتيجية. وتمتلك مصر من ناحية أخرى مؤشرات جاذبة للابتكار أو موفرة لبيئاته التمكينية، تتمثل فى التنوع الاقتصادى مقاسًا بتعدد أنشطة إنتاج الصناعات التحويلية (المرتبة ٣٧ على المستوى العالمى) وحجم أسواق السلع والخدمات مقاسًا بقيمة الناتج المحلى الإجمالى (المركز ١٧ عالميًا). كما أنها تتسم بمجتمع شبابى تزداد به نسبة السكان التى يقل أعمارهم عن (٢٤) عامًا، ومن ثم تتنامى قدرته على التفاعل مع معطيات العصر المعرفى. وأخيرًا حصدت مصر المرتبة الثامنة عالميًا على صعيد تطوير التحالفات وفق استبيان يقوم به المنتدى الاقتصادى العالمى.

وعلى مستوى المخرجات، اكتفت مصر بالتميز فى ثلاثة مؤشرات رئيسية من نحو (٢٥) متغيرًا مُمثلًا لمنتجات الابتكار، تتركز فى حجم إنتاج منشوراتها العلمية ومعدلات الاستشهاد بها، وحجم إنفاقها على صناعة البرمجيات، وحجم صادراتها من السلع الإبداعية. فقد احتلت مصر الترتيب (٤٤) فى دليل هيرش (H-Index) الذى يقيس حجم الإنتاج البحثى وتأثيره العلمى بحد سواء فى عام (٢٠٢٥). وهذا التطور فى الأداء يرتبط من ناحية بالزيادة المطردة فى أعداد الباحثين ومؤسسات إنتاج البحث العلمى (مثل الجامعات والمراكز البحثية)، وبتبنى مصر من ناحية أُخرى سياسات لتشجيع النشاط البحثى والنشر الدولى وتوفير قواعد معلومات للدوريات العلمية، ومن أهمها إنشاء بنك المعرفة المصرى الذى أضاف مصادر معرفية متنوعة لمجتمع الباحثين والدارسين. كما تشير نتائج قاعدة بيانات سيماجو الإسبانية لرصد معدلات النشر العلمى والابتكار على المستوى العالمى إلى تحسن نسبة المنشورات العلمية المصرية عالميًا فى معظم المجالات البحثية، وعلى وجه الخصوص فى تخصصات العلوم الأساسية والطبية والهندسية. ومن المؤكد أن هذا التحسن فى حجم وجودة النشر العلمى المصرى يُعد أحد الأمثلة الدالة على تأثير تبنى السياسات والبرامج الداعمة لتطوير الأداء.

فى مجال آخر، احتلت مصر فى مؤشر حجم الإنفاق على صناعة البرمجيات كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى الترتيب (٣١) عالميًا. ويختص هذا الإنفاق على قواعد البيانات ونظم التشغيل وأدوات البرمجة بوجه عام، ومن ثم فإنه يساهم فى زيادة الأصول غير الملموسة التى تُضيف بعدًا للمخرجات الإبداعية والتأثير المعرفى. حيث تفيد الدراسات التحليلية بوجه عام إلى زيادة احتمال إنتاج السلع والخدمات المُبتكرة فى المؤسسات التى يتنامى بها نصيب الأصول غير الملموسة إلى إجمالى الأصول الإنتاجية.

ويتمثل المؤشر الثالث فى مجال تميز مصر المعرفى فى صادرات مصر من السلع الإبداعية إلى مجموع التجارة الخارجية بحصدها المرتبة (٤١) على المستوى العالمى. وفى اعتقادى أن مصر يمكنها تحسين هذه النتيجة إذا عادت لدورها الإقليمى العربى والشرق أوسطى فى تصدير قوتها الناعمة. إذ إن السلع الإبداعية، مثل المنتجات السمعية والبصرية، وصناعة الحرف اليدوية، والتصوير الفوتوغرافى، والموسيقى والفنون الأدائية والبصرية، والكتب والنشر، والبرمجيات، والتراث الثقافى والطبيعى، تُعد فى معظمها أحد عناصر القوى الناعمة. ومن ثم فإن استدامة هذا التحسن ودعمه على المستويين الرسمى والخاص من المفروض أن يُمثل أحد المشروعات القومية لمصر.

ناقشت فى المقالين الأخيرين نقاط القوة فى مؤشرات مصر فى مجالى الابتكار والتحول المعرفى، والتى يتعين البناء عليها واستدامة دعمها مستقبلًا. بيد أن تركز معظمها فى جانب المُدخلات ومحدوديتها فى مجال مخرجات الابتكار يجب أن يلقى اهتمام المسؤولين. وأستأذن القارئ فى مناقشة نقاط القصور أو تواضع الأداء فى مقالات قادمة بهدف رسم السياسات وتبنى برامج التطوير التى من شأنها الارتقاء بالقدرات الإبداعية ومبادرات الابتكار المصرية.

tag-icon
  • مقال رأي
08 / 01 / 2026
12:24 AM
مشاركة: