من النسخة الورقيه | العدد : 7880 | جميع الأعداد
رأي فنزويلا والعراق.. وديون «مدبولى»فنزويلا والعراق
انشغلت لفترة ليست بالقصيرة بعدة أرقام ومعلومات أراها مهمة حول الفروق فى طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، وبين إزاحتها لعدد من الزعماء فى منطقتنا. وتوصلت لأمنية هزلية فى نهاية بحثى، وأعتقد أنها ستكون صادمة، مفادها أنه ليت الولايات المتحدة نجحت فى تقليد سيناريو فنزويلا فى العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا!. ليتها لجأت لخطف الرؤساء المزعجين أو قادة الحركات المتطرفة المناوئين لها، ولم تعتمد القتل والتدمير والاحتلال بأسلوب وحشى، فى هذه الدول. أسلوب يقترب من ممارسات العصور الوسطى، أو حملات الحروب الصليبية.
رجعت لمصادر موثوق بها حول عدد ضحايا العملية العسكرية الأمريكية على العاصمة كراكاس يوم السبت الماضى، ٣ يناير، والتى انتهت بالقبض على الرئيس مادورو واعتقاله، ووجدت أن الضحايا، على أقصى تقدير، كانوا ٨٠ قتيلًا ما بين عناصر عسكرية من كوبا وفنزويلا، إضافة لبعض المدنيين. عدت لبيانات عملية شبيهة، للتأكيد على فكرتى هذه. أقصد الحملة العسكرية الأمريكية التى انتهت باعتقال الرئيس البنمى السابق مانويل نورييغا عام ١٩٨٩، وأطلق عليها الأمريكيون «عملية القضية العادلة». ووفقًا لبيانات «البنتاجون»، فقد قُتل ٥١٦ بنميًا من بينهم عسكريون ومدنيون، فيما ترفع المصادر البنمية الرقم إلى نحو ألف شخص. هى عملية ضحاياها أكثر بكثير من عملية فنزويلا، وأعتقد أن العملية الأخيرة سبقها اختراق وتواطؤ وخيانات من شخصيات عسكرية وسياسية عملت مع الرئيس مادورو، ولم يحدث مثلها فى الدولة الصغيرة بنما.. لكن مع هذا، فإن ضحايا بنما لا يقارنون بما حدث فى دول عربية وإسلامية توحدت عزيمة واشنطن وحلفائها على تدميرها واحتلالها وقتل الآلاف من شعوبها، تحت زعم مواجهة رئيس ديكتاتور هنا أو هناك.. أو القضاء على منابع الإرهاب.
الأرقام العربية، وعلى رأسها العراقية، حول ضحايا الاحتلال الأمريكى من المواطنين العراقيين، تتعدى المليون، إضافة إلى نحو ٩ ملايين شخص اضطروا للنزوح للخارج أو إلى مناطق آمنة داخل العراق. وحتى لو اعتمدنا الأرقام الأمريكية حول الضحايا العراقيين فهى أيضًا مفزعة. عثرت على تقرير نشرته جامعة براون ضمن مشروع اسمه «تكاليف الحرب» ووجدتهم يقدرون عدد القتلى فى العراق ما بين عامى ٢٠٠٣ و٢٠٢٣ بنحو ٣١٥ ألف قتيل.
التفاصيل كثيرة فى هذه الدراسة، لكنها تحتفى بوجه خاص بالأعداد الهزيلة للجنود والمتعاقدين الأمريكيين الذين سقطوا فى غزو العراق.
من الصعوبة البالغة حساب الضحايا العسكريين والمدنيين فى أفغانستان نتيجة الاجتياح الأمريكى عقب أحداث سبتمبر ٢٠٠١، لأن الأمور كانت متداخلة جدًّا. والولايات المتحدة لم تكن تستهدف فقط جيشًا نظاميًا ضعيفًا وهشًّا، وكان يتبع حركة طالبان، لكنها وجهت عمليات القصف، أيضًا، ضد عناصر القاعدة المتحصنين وسط الجبال والوديان الضيقة؛ فكانت ضرباتها قاسية وموجعة.. ولا تفرق بين مدنى أو مسلح. ووفقًا لأرقام موثقة فقد قُتل ٢٠٠ ألف أفغانى خلال سنوات الحرب العشرين هناك، مع تدمير شامل للدولة. وقد خسر الجيش الأمريكى ٢٤٤٢ جنديًا، وهذا عدد الذين لقوا حتفهم بشكل مباشر، وهو عدد كبير فى العرف الأمريكى قياسًا بالحروب الأخرى.
فى سوريا بلغ عدد ضحايا الحرب الأهلية فى عصر الرئيس الهارب بشار الأسد ٦٥٠ ألف قتيل على أقل تقدير. ونصف الشعب، على أقل تقدير، اضطر للهجرة الخارجية أو الداخلية. ولا تزال الأوضاع فى سوريا غير مستقرة مع النظام الجديد. هناك رغبة غربية لاستمرار الصراع هناك لإضعاف الدولة إلى الأبد.. وكل ذلك لصالح إسرائيل بالطبع.
وهنا أتساءل: ماذا لو تدخلت الولايات المتحدة وشركاؤها، فى وقت مبكر لخطف بشار الأسد ومن قبله صدام حسين أو الرئيس الليبى السابق معمر القذافى، أو على الأقل ساعدت على خروجهم من المشهد بدون قتل أو تدمير، ألم يكن ذلك أفضل للجميع؟
هناك أنظمة قمعية شبيهة فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. بل بعضها أخطر بكثير على أمريكا وحلفائها من العراق وأفغانستان وإيران. كوريا الشمالية نموذجًا لذلك. لكنها لا تلجأ للقتل الوحشى والاحتلال الكامل إلا مع دول إسلامية. تروج للعمليات العسكرية فى هذه الدول، بأنها عمليات شبه مقدسة. الرأى العام الغربى مقتنع بذلك، تحت تأثير دعايات مكثفة وناعمة. راجعوا الأفلام الأمريكية التى تناولت العمليات العسكرية فى العراق وأفغانستان.. وغيرها من المناطق الإسلامية.. وكيف تصور شهامة البطل الأمريكى المُخلِّص الذى ينجح فى القضاء على الهمجيين المتوحشين.
وعندما تضطر الولايات المتحدة للتدخل فى محيطها، بدعاوى الدفاع عن مصالحها الاقتصادية، أو لمواجهة تجارة المخدرات والقضاء على العصابات الخطرة التى تنشط فى محيطها، يكون التدخل محدودًا ومحسوبًا للغاية.. وعمليات القتل فى أضيق الحدود؛ لأنها تحت أعين العواصم الغربية والرأى العام المسيحى!.
التفاصيل والأرقام والمقارنات، فى هذه النقطة لا تنضب.. ولذلك ما دام الزمن الحالى زمنًا أمريكيًا فقط، فإننا نتمنى على القيادة هناك أن تحكِّم روح العقل فى منطقتنا.. وأن تتعاطى مع الاقتراح الهزلى الذى طرحته!
ديون «مدبولى»
الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء، بشرنا يوم الثلاثاء الماضى بأن حكومته ستعلن خلال أيام عن إجراءات ستتخذها لخفض نسبة الدين الخارجى. أى أنه من الممكن أن يتحقق هذا الإجراء المهم، ما بين كتابة هذا المقال ونشره. الديون الخارجية والمحلية باتت خانقة وبالفعل مطلوب خطوات جادة للخروج من هذه الدوامة التى دخلنا فيها بسبب سوء التخطيط، وتنفيذ مشروعات كبرى فاشلة.
ومن الموضوعات الصحفية الجيدة التى قرأتها الأسبوع الماضى، تلك المتابعة الصحفية المتميزة، فى «المصرى اليوم»، للزميلين مصباح قطب ومحسن عبد الرازق، تحت عنوان «المقايضة الكبرى» والتى شرحا خلالها فكرة رجل الأعمال حسن هيكل بتصفير الدين المحلى على الحكومة بنقله إلى البنك المركزى. الموضوع متميز، وكان يستحق مساحة أوسع.. أو إجراء حوارت شاملة مع صاحب الاقتراح والمؤيدين والمعارضين لها. وكان من الممكن جمعهم فى ندوة موسعة.
اقتراح مدبولى مختلف.. هو يتحدث عن إجراءات لتخفيض الدين الخارجى. ربما يكون الحل المنتظر بالإعلان عن صفقة بيع أراض جديدة، أو الاتفاق على جدولة مع العواصم والجهات الدائنة.
ولقد تضاعفت الأرقام للدين الخارجى والمحلى منذ تولى الدكتور مدبولى رئاسة الحكومة فى يونيو ٢٠١٨، ولن ألجأ لذكر الأرقام هنا، بسبب تداخل الديون الخارجية على الحكومة وديون الجهات المستقلة.
والدكتور مدبولى نشيط هذه الأيام. وقد كتبت قبل أسبوعين أن هذا النشاط بمثابة ترويج لبقائه لفترة جديدة. كثيرون، وأنا منهم، كنا نتمى دماء جديدة، ورؤية مختلفة فى قيادة الحكومة.. لكن الأسماء المطروحة، من حيث الكفاءة والشعبية، هى فى مستوى الدكتور مدبولى أو أقل.
نتمنى أن تكون الإجراءات التى يقصدها لا تتضمن أعباء جديدة على الشعب، وإذا قُدر له البقاء كرئيس للحكومة، فعليه أن يعمل على الاهتمام بالقطاعات القادرة على تحقيق الفارق فى زيادة حصيلة العملات الأجنبية. وأقصد هنا ملفات السياحة وإدارة المطارات والزراعة.
باختصار عليه أن يغير عددًا من الوزراء المُقصّرين فى أعمالهم، وعلى رأسهم وزيرا السياحة والزراعة.
- مقال رأي