من النسخة الورقيه | العدد : 7880 | جميع الأعداد
رأي ما بعد مادوروإذا أردت فهم أفعال الولايات المتحدة وتفكيكها، يستحسن أن تحاول أن تضع نفسك داخل السياق الأمريكى، بدلاً من أن تعتبر أنك فى مركز العالم، فتنظر إلى عملية إزالة الرئيس الفنزيولى مادورو مثلاً من خلال قبلة القدس والصراع مع الصهيونية.
هكذا يمكن أن تلاحظ أنه رغم أن هذه ليست المرة الأولى التى تتدخل فيها الولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية مباشرة، هناك فروق مهمة هذه المرة.. ربما أكثر عملية مشابهة كانت فى بنما، تحت قيادة بوش الأب فى عام ١٩٨٩، حين قامت الولايات المتحدة باعتقال رئيس دولة لاتينية أخرى بعد اتهامه بالاتجار فى المخدرات. هذا عن التشابه، أما الفروق فتظهر بالذات فى السياق الأمريكى الداخلى: أولاً، بوش أبلغ نواب الكونجرس، ومن الحزبين، عند القيام بالعملية التى حازت بتأييدهم، بينما لم يبلغ ترامب أحداً، مما أدى إلى امتعاض علنى وعام من قبل الكتلة الديمقراطية، وحتى بين بعض أعضاء حزبه؛ ثم يمكن أيضاً ملاحظة أن فى حالة بنما كان هناك اعتداء أدى إلى مقتل جندى أمريكى، وكان هناك خرق لاتفاقيات إدارة القناة، مما ساعد على القبول التوافقى العام للعملية العسكرية لدى الداخل الأمريكى حينها.. الحال مختلف تماماً فى حالة فينزويلا حالياً.
لماذا تعتبر هذه التفاصيل مهمة؟ لأنها تبرز تغيرات جذرية فى الولايات المتحدة، التى إذا استمرت ستغير من نظامها السياسى.. ومع هذا التحول سيتغير كذلك تعاملها مع العالم، ليصبح المنطق الذى كان يسمى فى عهد الاستعمار التقليدى بـ«دبلوماسية البوارج» قاعدة عامة معلنة، على عكس كونه شيئاً استثنائياً يتطلب تحالفات دولية، أو على الأقل توافقاً داخلياً وشرحاً وتعليلاً ولو شكلياً. فعندما يصبح منطق القوة طاغياً فى الداخل فمن باب أولى أن يسود فى الخارج، حيث تحصينات القانون الدولى أكثر هشاشة وشكلية بمراحل من قيود الدستور الأمريكى فى الداخل.. بالفعل، إذا كنا أمام نظام لا يحترم التقاليد الدستورية العريقة (بإبلاغ الكونجرس عن العمليات العسكرية مثلاً)، ماذا يمكن أن نتوقع منه إذا تمادى فى ذلك؛ ماذا يمكن أن نتوقع منه على الصعيد الدولى من احترام، ولو شكلياً، لأى قوانين لا يصنعها بنفسه ويفصلها كلياً على مقاسه كما فى المجال الداخلى؟ التغيرات التى تطرأ على الولايات المتحدة منذ حين وصلت إلينا بوضوح مؤخراً عن طريق فينزويلا. لكن ربما فى حادث يوم الأربعاء الماضى بمدينة مينيابوليس دلالات أهم. هناك، قتلت سيدة أمريكية كانت فيما يبدو تحاول معارضة عمليات ميليشيات «آيس» التابعة للداخلية، والتى تبعث بها إدارة ترامب لتعبث فى المدن الأمريكية، باحثة عن المهاجرين غير الشرعيين (وغيرهم أحياناً) لاعتقالهم.. رغم كيانها الرسمى، فإن تشكيلات «آيس» هذه تعتبر ميليشيات، لأنها لا تخضع لأى رقابة تقريباً. بل وأعضاؤها يظهرون ملثمين، ويستخدمون العنف العشوائى المفرط ضد المدنيين، بطريقة غير مسبوقة بهذه الصورة فى ذاكرة الولايات المتحدة (أو الغرب الليبرالى عامة).
هذه الحادثة قد تكون لها تداعيات كبيرة، لكنها لا تأتى فى فراغ، بل فى سياق سياسات دولة. فقد بعث ترامب قبل ذلك بالحرس الوطنى، وحتى بقوات مارينز، إلى المدن الأمريكية «العاصية» فى نظره، ودون وجود أى ظروف استثنائية تبرر مثل هذه التحركات.. بل وقام ذات يوم بتجميع نخبة قيادات قواته المسلحة الجبارة من حول العالم فى جلسة غاية فى الغرابة، حيث قال لهم إن المدن الأمريكية «الخطرة» (ترجمة: التابعة للديمقراطيين)، يجب أن تصبح «حقولاً للتدريب» للجيش الأمريكى ضد «العدو الداخلى».. هذا كلام مجلوب من دهاليز النظم التسلطية لا شك.
الشيء الآخر المستورد من الأنظمة القمعية هو الكذب الفج المتكرر، الذى، كما لاحظت الفيلسوفة هناة أرندت، يهدف إلى الإذلال والإخضاع، عن طريق فرض اللامعقول، أكثر من كونه عنصراً جانبياً سلبياً هدفه تسهيل الإقناع.. هكذا خرجت الوزيرة التى تتبعها الميليشيات المرتكبة لحادثة مينيابوليس-- لابسة الـ«جينس» و«برنيطة كاوبوى»، وخلفها قوات بملابس «كاموفلاج» ونظارات شمس، يشبهون زملائهم فى العالم الثالث– خرجت لتقول إن ما شاهده الملايين بأعينهم لم يحدث أصلاً.. قالت إن قواتها كانت فى حالة دفاع عن النفس، فى حين أن عدة فيديوهات مصورة من زوايا مختلفة نفت كلامها تماماً.
هكذا، تعليقاً على المشهد الجديد نسبياً بالنسبة لهم (لكنه معروف بالطبع لآخرين حول العالم)، استرجع الكثير من الأمريكيين المعارضين لترامب هذه الفقرة من كتاب جورج أورويل الشهير ١٩٨٤: «طلب الحزب منك أن ترفض الدليل الذى تراه عيناك وتسمعه أذناك. كان ذلك وصيتهم الأخيرة والأكثر جوهرية». والجدير بالذكر أن كتاب «أورويل»، بالإضافة لتناول طبيعة الأنظمة الشمولية داخليًا، تطرق كذلك بالتفصيل لنوعية العالم الجديد، والعلاقات الدولية فيه، الذى يتخلق مع التطور التكنولوجى ومع سيادة أنظمة متصارعة من هذا النوع (ولمن لا يعرف الكتاب يمكنه تخيل ما تصوره أورويل، قبل البحث عنه إذا أراد). وهذا هو الإطار الذى يجب أن نستوعب فيه العالم الجديد إذا استمرت «ماجا أمريكا» فى الصعود.
- مقال رأي